رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير: خليفة أدهم

24 مارس 2019

مقالات

الجرار الطائش كشف المستور

10-3-2019 | 15:31 87

من جديد عاد اللغط والتشكيك فى أهمية المشروعات القومية التى تتبناها الدولة منذ سنوات للخروج من المأزق الاقتصادى، وكانت هذه المرة بمناسبة الحادث الكارثى للجرار الطائش فى محطة مصر. المشككون دأبوا على انتقاد الإنفاق الضخم على مشروعات التعمير والبنية الأساسية بدعوى الاختلاف على الأولويات معتبرين أن توجيه المال إلى مشروعات تحسين التعليم والرعاية الصحية أجدى من بناء المدن الجديدة، والآن تظهر مجددا أزمة السكك الحديدية لتعلو الأصوات مطالبة بتوجيه الأموال لسد احتياجات السكك الحديدية من قطارات وجرارات وأنظمة أمان وغيرها بدلا من شق الطرق وتنمية الأراضى المحيطة بقناة السويس وتعمير الصحراء.

رائحة السياسة تزداد وضوحا فى اللغط الأخير حيث يتجاهل المنتقدون، عن عمد غالبا، الأسباب التى أدت إلى ترهل واهتراء مرفق سكة الحديد للقدح فى برنامج الإصلاح الذى من بينه التوسع فى الاستثمار العام لتحقيق معدلات النمو المطلوبة بشدة، ويعرف كل من له صلة أنه لولا الشروع فى تدشين هذه المشروعات لما كان ممكنا الوصول بمعدلات النمو لما فوق 5% سنويا وهى الأعلى منذ عام 2009، ولنا أن نتخيل حال الاقتصاد والأسواق لو لم يبدأ العمل بهذه المشروعات فى 2014 حيث كان النمو يقل عن 2% والكهرباء تنقطع عن المنازل والمصانع والركود التضخمى أخذ بتلابيب مختلف الأنشطة الصناعية والتجارية. لقد بات التوسع فى الإنفاق على مشروعات البنية الأساسية مبدأ معتمدا لدى الدول لتنشيط الاقتصاد كما كان الحال عندما طبقت هذه السياسة لأول مرة خلال الأزمة المالية العالمية فى ثلاثينيات القرن الماضى، وقد رأينا الرئيس الأمريكى الحالى وهو يتعهد فى برنامجه الانتخابى برصد أموال طائلة لتحسين البنية الأساسية، كما أعلنت الصين قبل أيام السماح لحكومات الولايات بالاستدانة حتى 320 مليار دولار هذا العام للإنفاق على تحديث البنية الأساسية فى مسعى لإنعاش الاقتصاد الذى يسجل تراجعا مقلقا فى النمو إلى ما دون المستهدف البالغ 6.5% هذا العام، وهو معدل منخفض بالمعايير الصينية.

أما قصة السكك الحديدية فهى معروفة للجميع وحوادثها المتعاقبة خير دليل على ما تعانيه من تفكك فنى وإدارى، كما تعانى أيضا نقصا فى الإمكانيات. لكن الحادث الأخير وحوادث أخرى سابقة لم تكن وليدة قصور الإمكانيات وإنما هى أخطاء بشرية وفنية فادحة تعكس ترهلا فى المنظومة كلها، وقد كان من قبيل المراوغة وصرف الأنظار عن المتاعب الحقيقية للهيئة التركيز على سلوك المتهمين فى التسبب بالحادث وتصوير الأمر على أنه نتيجة تعاطى المخدرات وعدم انضباط وظيفى وغير هذه الأمور التى دافع بها المسئولون عن أنفسهم وهيئتهم. وكان الأجدى لهؤلاء الاعتراف بأن المنظومة الإدارية الحاكمة لعمل هيئة السكك الحديدية قد فقدت صلاحيتها وتجاوزها الزمن وأن القوانين واللوائح المطبقة لا تضمن حسن سير العمل، وأن يد الإدارة مغلولة عن تطهير كوادر الهيئة من العناصر المارقة أو غير المنضبطة أو حتى المدمنين!! هيئة السكك الحديدية تضم 57 ألف موظف بينهم 3 آلاف سائق ومع ذلك يفاجئنا رئيس الهيئة فى تحقيقات النيابة أنه يعانى عجزا بنسبة 40% فى السائقين والعمالة الفنية! إنها منظومة كاملة فسدت وأصابها الترهل وقوانينها أصبحت عاجزة عن تسييرها، وهو ما يخلق ذرائع كافية تتخفى وراءها سوء الإدارة.

القضية على هذا النحو لا تقتصر فقط على السكك الحديدية وإنما يمكن أن تشمل مختلف الوظائف الحكومية المحمية بقوانين جامدة وضعت فى ستينيات القرن الماضى حينما كانت الظروف كلها مختلفة.. وكذلك الأولويات والطموحات.

نحن نعرف أن الحكومة تعاقدت قبل الحادث بوقت طويل على شراء 1300 عربة قطار وجرارات كثيرة وأن هذه الجرارات سوف تأتى مع بداية العام الجديد، فهل نتركها تعمل فى إطار نفس المنظومة، وحينها هل نتوقع نتائج مختلفة لمجرد أن الجرارات أصبحت أحدث والعربات أكثر فخامة!؟

الاقتصاد المصرى يحتاج إلى المشروعات العديدة التى يجرى تنفيذها حاليا من باب الضرورة وليس الاختيار، والمصريون يحتاجون كذلك إلى قطارات حديثة وآمنة وهذا الأمر ليس بدلا للآخر، ولكن إصلاح السكك الحديدية لا ينبغى أن يكون على حساب الأهداف الاستراتيجية للدولة وإنما عبر إصلاح المنظومة التى تحكم عمل القطارات فى بلادنا.. وأولى خطوات الإصلاح تنطلق من الاعتراف بأن هيئة السكك الحديدية هى قيد الإفلاس الاعتبارى حيث تجاوزت ديونها أصولها منذ عدة سنوات.